…وكان بينه وبين فقهاء الحنفية آنذاك منازعات وخصومات، حملت هذه المنازعات والخصومات ابن حبان على الطعن في أبي حنيفة – رحمه الله – فألف كتاباً في علل مناقبه يقع في عشرة أجزاء، أي إذا كان لأبي حنيفة فضيلة ومنقبة، فإن ابن حبان يردها فيعلها. فهذا الكتاب في علل مناقب أبي حنيفة، ولم يكتفه بهذا، بل ألف كتاباً آخر في مثالب أبي حنيفة يقع في عشرة أجزاء. والمثالب: "ضد المناقب والفضائل، أي: العيوب. وكتاباً ثالثاً في علل ما استند عليه أبوحنيفة يقع في عشرة أجزاء أيضاً.
براعته ونبوغه في علوم شتى:
…ولم يقتصر على الفقه والحديث فقط، بل إنه برع في عدة علوم أخرى كالطب والفلك، حتى إنهم وصفوه بأنه كان عالماً بالطب والنجوم، ومن جملة ما برع فيه ابن حبان: علم العربية، أي: اللغة، حتى إنه كان يمهد لاستنباطاته بذكر القاعدة اللغوية المتعارف عليها عند العرب. بل إنه جاوز ذلك إلى علم الكلام، حتى برع فيه وتأثر به، فأثر في أسلوبه وطريقته وبخاصة في كتابه الصحيح الذي نتناوله بالدراسة، فإنه رتبه على التقاسيم والأنواع – كما سيأتي إن شاء الله -. وهي طريقة كلامية بحتة، ويظهر هذا الأثر الكلامي مشوباً بالناحية الفقهية عند ابن حبان -. يظهر في استنباطاته للمسائل من الأدلة.
أمثلة لبعض استنباطاته الكلامية:
…ولو أردنا أن نمثل على هذا يمكن أن نأخذ حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "يتقارب الزمان وينقص العلم"(1).
…يقول ابن حبان في استنباطاته من هذا الحديث: "وقد أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم أن العلم ينقص في آخر الزمان، وأرى العلوم كلها تزداد إلا هذه الصناعة الوحيدة؛ فإنها كل يوم في النقص – يقصد علم الحديث والسنن -، فكأن العلم الذي خاطب النبي صلى الله عليه وسلم أمته بنقصه في آخر الزمان هو معرفة السنن، ولا سبيل إلى معرفتها إلا بمعرفة الضعفاء والمتروكين".
__________
(1) جزء من حديث رواه البخاري (5690)، (6652)، ومسلم (2672).