…وكان من أدب الطلب عندهم في ذلك العصر الرحلة في طلب الحديث ، وهذا الذي حرص عليه وصنعه النسائي ، وهو الذي أفاده في الحصول على الأسانيد العالية ، فإنه –رحمه الله- رحل إلى عدة بلدان منها خراسان والحجاز ومصر والعراق والجزيرة والشام ، وسمع من كثير من الشيوخ ، وكان حريصاً على التلقي ، حتى وإن كان يصاحب ذلك شيء من العناء بل ربما المذلة .
روايته عن الحارث بن مسكين من وراء الستار :
…قدم – رحمه الله – على الحارث بن مسكين ، وسمع منه ، ولكنه لم يستطع السماع منه مباشرة – أي بحضور الحلقة كما يحضرها بقية التلاميذ - ، وإنما كان يستمع من وراء ستار؛ ولذلك نجد النسائي في سننه إذا روى عن الحارث بن مسكين يقول : قرئ على الحارث بن مسكين وأنا أسمع ، أو يأتي بصيغة مثلاً : أخبرنا الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع.
…فهو يشير بهذا الصنيع إلى أنه لم يأخذ عن الحارث بن مسكين ، كما أخذ عن بقية الشيوخ الذين لا يقيد ذلك بالقراءة عليهم حال سماعهم .
…وقيل في السبب الذي دعى النسائي إلى عدم السماع من الحارث بن مسكين مباشرة، أنهما كان قاشيين ، وحصل بينهما شيء من الخلاف الذي يحصل فيه الغالب بين الأقران ؛ ولذلك لم يستطيع النسائي الحضور إلى حلقة الحارث بن مسكين لما بينهما من الشحناء .
…وقيل سبب غير ذلك ، وهو أن الحارث بن مسكين – رحمه الله – كان مؤاخذاً من قبل السلطان في عصره ، ويبدو أنه كان متخوفاً من السلطان ، فدخل عليه النسائي بزي أنكره، ولم يكن يعرفه ، فقد كان النسائي لابساً لقلنسوة وثياب تشبه ثياب أعوان السلطان ، فخشي الحارث بن مسكين أن يكون السنائي من أعوان السلطان ، فخشي أن يكون قد دُس عليه لينقل كلامه إلى السلطان ، فمنعه من الحضور إلى الحلقة ؛ فأصبح يحضر من رواء الستار ويسمع ويقيد.
ذكر الوقيعة التي بينه وبين أحمد بن صالح المصري :