…نقول: كلاهما على طرفي نقيض، ولكن السبكي معروف عقيدته، وابن حجر زلق أيضاً هذا المزلق، لأنه في بعض الأحيان يخطيء – رحمه الله – بسبب تأثره بمنهج بعض شيوخه الذين هم من الأشاعرة.
…وعلى كل حال، فمثل هذه الأخطاء التي صدرت من ابن حبان لا يمكن لبشر أن يبلغ درجة الكمال، وابن حبان من جملة العلماء الذي يخطئون ويضيبون، ولكن جانب الاصابة عنده لا يقارن بجانب الخطأ. وكما قيل: "الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث".
ذكر بعض من تتلمذ على يديه من كبار العلماء:
…ولأجل ما له من المكانة ولأجل تضلعه في العلوم، وبالذات علم الحديث، حرص بعض كبار العلماء على التتلمذ عليه، ولذلك نجد بعض أكابر العلماء من تلاميذ ابن حبان مثل: الدارقطني، وهو إمام مشهور، فإنه ممن تتلمذ على ابن حبان، وكذلك الحاكم، صاحب المستدرك -، وهو إمام مشهور، هو أيضاً من تلاميذ ابن حبان، وكذلك ابن منده – صاحب كتاب معرفة الصحابة وغيره من الكتب – هو أيضاً من تلاميذ ابن حبان، وغيرهم كثير.
وقفه لجميع كتبه على طلبة العلم، وبيان سبب ضياعها:
…من الآثار التي خلفها ابن حبان – رحمه الله -، أنه يمتلك ثروة ضخمة من الكتب، سواء الكتب التي ألفها علماء غيره، أو الكتب التي ألفها هو، وما أكثرها وما أحسنها وما أجودها، فقام – رحمه الله – بعمل – يبدو أنه لم يسبق إليه، وبالذات بعض جزئيات هذا العمل قطعاً لم يسبق إليه. هذا العمل هو أنه أوقف هذه الكتب وسبلها، فجعلها في مكتبة أوقفها على طلبة العلم وجمعها وأوصى بأن تحول هذه الدار أيضاً التي فيها تلك المكتبة إلى مدرسة لأصحابه، بل وتستوعب طلبة العلم الغرباء الذين يأتون من أماكن شتى لطلب العلم فجعلها سكناً لهم.